كركر
08-12-19, 01:10 AM
الإمام الجواد(ع)... رعاية المــوهــوبــيــن
بقلم / رضي العسيف
إن حياة الإمام محمد بن علي الجواد (ع) حياة تشرق نوراً، وهي مفخرة من مفاخر بيت أهل النبوة والرسالة، ففي مثل هذا العمر الذي لم يتجاوز التاسعة ينبري الإمام (ع) ليتولى أعلى قيادة في الأمة، وتصير أمور العباد والبلاد تحت تصرفه بصورة شرعية، مفنداً بذلك السلطة العباسية وما كانت تمثله آنذاك.
وحين ندرس هذه السيرة العطرة فإننا ندرسها بروح وبعمق لنستلهم منها أهم الدروس والعبر التي تفيدنا في حياتنا العملية، ولعل عنوان ( الموهبة، العبقرية، المعجزة ) يميز شخصية الإمام الجواد (ع) وذلك من تتابع عدة أحادث في سيرته. ونذكر هنا بعض المواقف التي تبين لنا تلك العبقرية التي كان يتحلى بها الإمام (ع):
ثلاثون ألف مسألة
يقول بعض الرواة : لما مات أبو الحسن الرضا (ع) حججنا فدخلنا على أبي جعفر وقد حضر من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر (ع) فدخل عمه عبد اللـه بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً ، عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة .
فجلس وخرج أبو جعفر (ع) من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل خوص بيضاء، فقام عبد اللـه - عمه - واستقبله وقبَّل بين عينيه وقامت الشيعة ، وقعد أبو جعفر (ع) على كرسي ونظر الناس بعضهم إلى بعض تحيراً لصغر سنه .
فانتدب رجل من القوم فقال لعمه : أصلحك اللـه ما تقول في رجل أتى بهيمة . فقال تقطع يمينه ويقام عليه الحد.
فغضب أبو جعفر (ع) وقال : يا عم إتق اللـه - إتق اللـه - إنه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي اللـه عز وجل لما أفتيت الناس بما لا تعلم، فقال له عمه : يا سيدي أليس قال هذا أبوك (ع) ؟
فقال أبو جعفر (ع): إنما سُئِل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فإن حرمة الميِّتة كحرمة الحية فقال: صدقت يا سيدي أنا أستغفر اللـه، فتعجب الناس فقالوا له: يا سيدنا أتأذن أن نسألك ؟
فقـال: “ نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين” (1).
مع يحيى بن أكثم
عقد المأمون مجلساً أشبه ما يكون بالمؤتمر بين الإمام الجواد (ع) وقاضي قضاة الديار يحيى بن أكتم لأغراض يريدها المأمون من هذه المناظرة، وبدأ الحوار بسؤال من يحيى للإمام (ع): ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيداً ؟
فقال أبو جعفر:
- قتله في حل أو حرم ؟
- عالماً كان المحرم أو جاهلاً ؟
- قتله عمداً أو خطأً ؟
- حُرَّاً كان المحرم أو عبداً ؟
- صغيراً كان أو كبيراً ؟
- مبتدئاً بالقتل أو معيداً ؟
- من ذوات الطير كان الصيد أو من غيرها ؟
- من صغار الصيد أم من كبارها ؟
- مصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟
- في الليل كان قتله للصيد أم في النهار ؟
- محرماً كان بالعمرة إذ قتله ، أم بالحج كان محرماً ؟ (2).
فتحير يحيى من هذه البراعة في تفكيك السؤال إلى عدة أسئلة، وبان العجز على ملامح وجهه. .
وهناك حوادث وقصص كثيرة تبين لنا تلك المكانة العلمية العالية التي كان يتميز بها هذا الإمام وهو في صغر سنه.
وهنا أود أن استخلص أهم الدروس من هاتين الحادثتين :
1/ السماح للأجيال بالمشاركة الفعالة في المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تهتم بالشباب، فهم الطاقة الواعدة وهم المعنيون بهذه المؤتمرات، فما سيناقش يهم ويمس كيانهم، ولهذا لابد لنا من السماح لهذه الفئة المهمة من الإبداء برأيها والتعبيرعنه بكل صراحة وحرية رأي.
2/ محاولة اكتشاف المواهب في المجتمع، حيث أن مجتمعاتنا تزخر بالمواهب والمعاجز ممن هم في سن مبكر ولهم الكفاءات التي يعجز عنها الكبار، وهذه الفئة من الموهوبين بحاجة إلى اكتشاف أولاً، ثم إلى توجيه ورعاية، وتمهيد السبل أمامهم لتنمية مواهبهم وتقويتها، ويمكن ذلك عبر إنشاء المراكز المختصة، كمركز رعاية الموهوبين أو المدارس الخاصة التي تكفل المحافظة عليهم وتسهم في بناء وتنمية هذه المواهب.
3/ تشجيع الموهوبين وذلك عبر الاهتمام بما يبتكرونه من مخترعات وابتكارات، ووضع المكافآت التشجيعية والحوافز والجوائز القيمة لهؤلاء الموهوبين.
4/ إن احتواء وتنمية ورعاية الموهوبين يُعد أمراً إيجابياً في طريق التقدم الاجتماعي، ذلك أن رعاية الموهوبين توفر للمجتمع نبعاً دفاقاً من الموارد البشرية المتميزة القادرة على التحدي والعطاء، ومن ثم يكون المردود كبيراً نظراً إلى ما لدى هذه الفئة من إدراك وسعة أفق وإبداع، تمكنهم من الإسهام الفعال في حل المشكلات المختلفة التي تواجه المجتمع.
ثم إن الدول تتمايز في تنافسها، ليس فقط بما حباها الله من ثروات طبيعية أو مصادر طاقة أو أسواق كبيرة، بل وجدت هذه الدول أن العنصر المرجح في هذا التنافس هو قدرة هذه الدول فيما يبدعه مواطنها ويضيفه إلى هذه الثروات الطبيعية، ولشدة تأثير هذا العنصر بالتحديد تميزت دول مثل اليابان وسنغافورة وإيرلندا على غيرها من الدول.
وهكذا فإن رعاية الموهوبين تأتي في أولويات التقدم الاجتماعي، ولهذا فإن هذه المسألة تحتاج إلى توفير العديد من الإمكانيات والجهود الجبارة في سبيل تخريج جيل يمتاز بصفة العقبرية والنبوغ المتميز.
الهوامش:
(1) : المدرسي، محمد تقي، النبي وأهل بيته قدوة وأسوة، ج2ص226، الطبعة الأولى1414هـ1993م دار الكلمة الطيبة، بيروت، لبنان .
(2) المصدر السابق، ص 229-230
بقلم / رضي العسيف
إن حياة الإمام محمد بن علي الجواد (ع) حياة تشرق نوراً، وهي مفخرة من مفاخر بيت أهل النبوة والرسالة، ففي مثل هذا العمر الذي لم يتجاوز التاسعة ينبري الإمام (ع) ليتولى أعلى قيادة في الأمة، وتصير أمور العباد والبلاد تحت تصرفه بصورة شرعية، مفنداً بذلك السلطة العباسية وما كانت تمثله آنذاك.
وحين ندرس هذه السيرة العطرة فإننا ندرسها بروح وبعمق لنستلهم منها أهم الدروس والعبر التي تفيدنا في حياتنا العملية، ولعل عنوان ( الموهبة، العبقرية، المعجزة ) يميز شخصية الإمام الجواد (ع) وذلك من تتابع عدة أحادث في سيرته. ونذكر هنا بعض المواقف التي تبين لنا تلك العبقرية التي كان يتحلى بها الإمام (ع):
ثلاثون ألف مسألة
يقول بعض الرواة : لما مات أبو الحسن الرضا (ع) حججنا فدخلنا على أبي جعفر وقد حضر من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر (ع) فدخل عمه عبد اللـه بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً ، عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة .
فجلس وخرج أبو جعفر (ع) من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل خوص بيضاء، فقام عبد اللـه - عمه - واستقبله وقبَّل بين عينيه وقامت الشيعة ، وقعد أبو جعفر (ع) على كرسي ونظر الناس بعضهم إلى بعض تحيراً لصغر سنه .
فانتدب رجل من القوم فقال لعمه : أصلحك اللـه ما تقول في رجل أتى بهيمة . فقال تقطع يمينه ويقام عليه الحد.
فغضب أبو جعفر (ع) وقال : يا عم إتق اللـه - إتق اللـه - إنه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي اللـه عز وجل لما أفتيت الناس بما لا تعلم، فقال له عمه : يا سيدي أليس قال هذا أبوك (ع) ؟
فقال أبو جعفر (ع): إنما سُئِل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فإن حرمة الميِّتة كحرمة الحية فقال: صدقت يا سيدي أنا أستغفر اللـه، فتعجب الناس فقالوا له: يا سيدنا أتأذن أن نسألك ؟
فقـال: “ نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين” (1).
مع يحيى بن أكثم
عقد المأمون مجلساً أشبه ما يكون بالمؤتمر بين الإمام الجواد (ع) وقاضي قضاة الديار يحيى بن أكتم لأغراض يريدها المأمون من هذه المناظرة، وبدأ الحوار بسؤال من يحيى للإمام (ع): ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيداً ؟
فقال أبو جعفر:
- قتله في حل أو حرم ؟
- عالماً كان المحرم أو جاهلاً ؟
- قتله عمداً أو خطأً ؟
- حُرَّاً كان المحرم أو عبداً ؟
- صغيراً كان أو كبيراً ؟
- مبتدئاً بالقتل أو معيداً ؟
- من ذوات الطير كان الصيد أو من غيرها ؟
- من صغار الصيد أم من كبارها ؟
- مصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟
- في الليل كان قتله للصيد أم في النهار ؟
- محرماً كان بالعمرة إذ قتله ، أم بالحج كان محرماً ؟ (2).
فتحير يحيى من هذه البراعة في تفكيك السؤال إلى عدة أسئلة، وبان العجز على ملامح وجهه. .
وهناك حوادث وقصص كثيرة تبين لنا تلك المكانة العلمية العالية التي كان يتميز بها هذا الإمام وهو في صغر سنه.
وهنا أود أن استخلص أهم الدروس من هاتين الحادثتين :
1/ السماح للأجيال بالمشاركة الفعالة في المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تهتم بالشباب، فهم الطاقة الواعدة وهم المعنيون بهذه المؤتمرات، فما سيناقش يهم ويمس كيانهم، ولهذا لابد لنا من السماح لهذه الفئة المهمة من الإبداء برأيها والتعبيرعنه بكل صراحة وحرية رأي.
2/ محاولة اكتشاف المواهب في المجتمع، حيث أن مجتمعاتنا تزخر بالمواهب والمعاجز ممن هم في سن مبكر ولهم الكفاءات التي يعجز عنها الكبار، وهذه الفئة من الموهوبين بحاجة إلى اكتشاف أولاً، ثم إلى توجيه ورعاية، وتمهيد السبل أمامهم لتنمية مواهبهم وتقويتها، ويمكن ذلك عبر إنشاء المراكز المختصة، كمركز رعاية الموهوبين أو المدارس الخاصة التي تكفل المحافظة عليهم وتسهم في بناء وتنمية هذه المواهب.
3/ تشجيع الموهوبين وذلك عبر الاهتمام بما يبتكرونه من مخترعات وابتكارات، ووضع المكافآت التشجيعية والحوافز والجوائز القيمة لهؤلاء الموهوبين.
4/ إن احتواء وتنمية ورعاية الموهوبين يُعد أمراً إيجابياً في طريق التقدم الاجتماعي، ذلك أن رعاية الموهوبين توفر للمجتمع نبعاً دفاقاً من الموارد البشرية المتميزة القادرة على التحدي والعطاء، ومن ثم يكون المردود كبيراً نظراً إلى ما لدى هذه الفئة من إدراك وسعة أفق وإبداع، تمكنهم من الإسهام الفعال في حل المشكلات المختلفة التي تواجه المجتمع.
ثم إن الدول تتمايز في تنافسها، ليس فقط بما حباها الله من ثروات طبيعية أو مصادر طاقة أو أسواق كبيرة، بل وجدت هذه الدول أن العنصر المرجح في هذا التنافس هو قدرة هذه الدول فيما يبدعه مواطنها ويضيفه إلى هذه الثروات الطبيعية، ولشدة تأثير هذا العنصر بالتحديد تميزت دول مثل اليابان وسنغافورة وإيرلندا على غيرها من الدول.
وهكذا فإن رعاية الموهوبين تأتي في أولويات التقدم الاجتماعي، ولهذا فإن هذه المسألة تحتاج إلى توفير العديد من الإمكانيات والجهود الجبارة في سبيل تخريج جيل يمتاز بصفة العقبرية والنبوغ المتميز.
الهوامش:
(1) : المدرسي، محمد تقي، النبي وأهل بيته قدوة وأسوة، ج2ص226، الطبعة الأولى1414هـ1993م دار الكلمة الطيبة، بيروت، لبنان .
(2) المصدر السابق، ص 229-230